الشيخ محمد رشيد رضا
177
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فعصيانه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع ، فهم على أي حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فإن كان ذنبهم تحريم ما أباح اللّه لهم في ليالي الصوم أو التورع عنه ليوافق صيامهم صيام أهل الكتاب من كل وجه فتفسر التوبة بالرجوع عليهم ببيان الرخصة بعد ذكر فرض الصيام مجملا ، والتشبيه فيه مبهما ، ويكون العفو عن الخطأ في الاجتهاد الذي أدى إلى التضييق على النفس وإيقاعها في الحرج ، وإن كان الذنب هو مخالفة الاعتقاد بأن كانوا فهموا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو من قوله تعالى ( كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) تحريم ملامسة النساء ليلا مطلقا أو تحريمه كالأكل والشرب بعد النوم في الليل ، فالتوبة على ظاهر معناها ، أي ان اللّه قبل توبتكم ، وعفا عن خيانتكم أنفسكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ المباشرة هنا كناية عن المباضعة الزوجية وحقيقتها مس كلّ بشرة الآخر أي ظاهر جلده ، فهي كالملامسة في حقيقتها وكنايتها وهي من نزاهة القرآن ، والمعنى فالآن باشروهن إذ أحل لكم الرفث إليهن بالنص الصريح النافي لما فهمتم من الاجمال في كتابة الصيام عليكم ، فالامر بالمباشرة للإباحة الناسخة أو النافية لذلك الحظر فهي كالأمر بالشيء بعد النهي عنه ، واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل - أو ما عسى أن يكون كتبه لكل منكم ، بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة اللّه تعالى في الخليقة ، زاد بعضهم : لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم وهو يشعر أن التمتع باللذة الزوجية مذموم إذا لم يكن لأجل النسل ، وليس بصحيح على إطلاقه فان الزوجين المحرومين من الأولاد أو اللذين رزقا بعض الأولاد ثم انقطع نتاجهما لا يذم ولا يكره لهما الاستمتاع بالمباشرة الزوجية بغير إفراط بل هو مطلوب لإحصان كل منهما للآخر وصده عن الحرام . ولما قال صلّى اللّه عليه وسلّم للفقراء « وفي بضع أحدكم صدقة » قالوا يا رسول اللّه أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال « أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ » قالوا نعم . قال « فكذلك إذا وضعها في الحلال « تفسير المنار » « 23 » « الجزء الثاني »